بقلم ياسر العياشي
من أشهر الحكايات المتصلة بسبب تأليف الإمام محمد بن سليمان الجزولي لكتابه الذائع الصيت”دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار . رواية تروى في كتب المناقب والفضائل على أنها باعث روحي قوي دفع المؤلف إلى جمع صيغ الصلاة على النبي ﷺ، حتى صار الكتاب رفيق زوايا المغرب وبيوته ومساجده عبر قرون طويلة.
تبدأ القصة في مشهد بسيط ومشحون بالدلالة: عالم من علماء زمانه، معروف بالعبادة والورع، يجد نفسه في حاجة إلى ماء الوضوء. لا ضجيج هنا ولا أحداث عظيمة، وإنما موقف يومي مألوف—لكن الرواية تحوله إلى عتبةٍ لمكاشفة.
يقال إن الجزولي قصد بئرا ليتوضأ وقد حان وقت الصلاة، غير أنه لم يجد ما يستقي به أو ما يخرج به ماء البئر، اذ كان البئر بدون رشاء.وكأن الأسباب المادية في تلك اللحظة ضاقت عن تلبية حاجة العابد. في هذا الوضع الضيق تظهر “مفاجأة” الحكاية: صبية تراقب الموقف من مكان مرتفع، ترى الشيخ واقفًا عند البئر، فتستغرب حاله. كيف يقف عالم جليل لا يجد سبيلاً إلى الماء؟
هنا تبلغ الرواية ذروتها العجيبة: تقترب الصبية—في بعض الصيغ—أو تبقى من موضعها، ثم تبصق في البئر. وما إن تفعل حتى يفور الماء أو يرتفع حتى يسهل أخذه، فيتوضأ الجزولي. ليست التفاصيل المقصودة من الحكاية في ذات الفعل، بل في معنى التحول: ماء غائر في العمق يصير قريبا، وكأن البئر لم تكن بئرا فقط، بل كانت رمزا لشيء أعمق: “سبب” خفي يتجاوز ظاهر الأشياء.
بعد الوضوء—كما تكمل الرواية—يلتفت الجزولي إلى الصبية، لا بنظرة استغراب من الفعل نفسه، بل بنظرة بحث عن سر المنزلة. يسألها سؤالًا يحمل ما يحمل من دلالة :: بماذا نلتِ هذه الكرامة؟ وهنا تُقدم الصبية جوابا يأتي في قلب الحكاية كأنه المفتاح الذي يفتح باب الكتاب”بكثرة الصلاة على النبي ﷺ” لم تتكلم الصبية عن علمٍ واسع ولا رياضةٍ شاقة، ولا تذكر نسبًا ولا جاهًا؛ تذكر عبادة واحدة متاحة للجميع، لكنها في ميزان الرواية عبادة تصنع أثرًا يفوق التوقع.
تتوقف الحكاية عند هذه الجملة الثقيلة الوزن ، ثم تدفع الأحداث نحو نتيجتها الطبيعية: إذا كانت الصلاة على النبي ﷺ بهذا الأثر، فلماذا لا تجمع صيغها وترتب وتيسر للناس اجمعين ؟ عندها—بحسب الرواية—يعزم الجزولي على أن يؤلف كتابا في الصلاة على النبي ﷺ، وأن يجعل هذا الباب يسيرا محفوظًا، تتداوله الألسنة وتطمئن إليه القلوب. ومن هذه العزيمة يولد «دلائل الخيرات»، لا ككتاب أدعية فقط، بل كعملٍ يراد به دوام الصلة بالمقام النبوي الشريف، وتربية القلب على الذكر، وجعل العبادة عادة يومية لها نظامها وأوقاتها.
ومع جمال هذا المشهد وروحانيته، من المهم أن نفهم طبيعة هذه القصة كما وصلت إلينا. فهي تذكر غالبا بصيغة “يحكى” و”يقال” وتشيع في سياق المناقب؛ أي النصوص التي تبرز فضائل الصالحين وأثر الأعمال القلبية، ويغلب عليها الطابع التربوي والوعظي. لذلك ينبه بعض الدارسين إلى أنها ليست من نوع الأخبار التاريخية الصارمة التي تقوم على توثيقٍ دقيق أو سندٍ مبكر واضح، بل هي قصة تُستعمل لإيضاح فكرة: أن العمل الروحي—وخاصة الصلاة على النبي ﷺ—قد يكون سببًا لفتحٍ وتوفيق.
لكن سواء أخذناها بوصفها حدثا وقع حرفيا أو بوصفها حكاية مناقبية ذات مقصد تربوي، فإن معناها يبقى واضحا : في لحظةٍ يومية عند بئر، تحولت العبادة من عادة تؤدى إلى “سر” يلتفت إليه، ومن ذكر يقال إلى مشروعٍ يكتب ويدون . ومن هنا يمكن فهم لماذا بقي «دلائل الخيرات» حاضرًا بقوة في الوجدان المغربي: لأنه لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط—في الذاكرة الشعبية والروحية—بفكرةٍ محورية: أن الطريق إلى النور قد يبدأ من فعلٍ بسيط، وأن كلمةً واحدة عن محبة النبي ﷺ يمكن أن تفتح بابًا لتاريخٍ كامل من الذكر والأنوار.














