بقلم: أحمد بن عيوش
دخل المغرب، اليوم الثلاثاء 29-09-2026، مرحلة جديدة في تاريخه السياسي، بعد تعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.
ويشكل هذا التعيين محطة بارزة في مسار تطور حضور المرأة المغربية في مواقع القرار، ويمنح مسار المشاركة السياسية للنساء بعدا جديدا، في ظل التحولات التي عرفتها المؤسسات السياسية والدستورية بالمغرب خلال العقود الأخيرة.
ولا يشكل حضور النساء في دوائر السلطة والسياسة ظاهرة جديدة في التاريخ المغربي، إذ عرفت المملكة، عبر مراحل مختلفة، شخصيات نسائية اضطلعن بأدوار مؤثرة في تدبير شؤون الحكم والمجتمع.
ومن أبرز هذه الشخصيات السيدة الحرة، عائشة بنت علي بن راشد، التي برزت في القرن السادس عشر كإحدى أبرز الشخصيات السياسية في شمال المغرب، وتولت تدبير شؤون تطوان، وامتد نفوذها إلى العلاقات السياسية والعسكرية في المنطقة، قبل أن تنتهي فترة حكمها سنة 1542، وتعد تجربتها من أبرز النماذج التاريخية لامرأة مغربية مارست سلطة سياسية مباشرة.
وفي مرحلة الانتقال من الدولة المرينية إلى الدولة الوطاسية، برزت زهور بنت منصور بن زيان الوطاسية، المعروفة بالزهراء، التي تولت تدبير شؤون فاس خلال فترة سياسية مضطربة، قبل انتقال السلطة إلى الوطاسيين، وتشكل تجربتها بدورها مثالا على حضور المرأة في تدبير الشأن السياسي خلال إحدى المراحل الانتقالية من تاريخ المغرب.
كما يبرز اسم خناثة بنت بكار، زوجة السلطان مولاي إسماعيل، التي لم يقتصر حضورها على موقعها داخل البلاط السلطاني، بل عرفت بمكانتها السياسية وبمشاركتها في المشورة وتدبير عدد من القضايا المرتبطة بشؤون الدولة.
وقبل ذلك بقرون، ارتبط اسم زينب النفزاوية بالدولة المرابطية، باعتبارها زوجة يوسف بن تاشفين وشخصية ذات حضور في محيط الحكم، وتنسب إليها المصادر التاريخية أدوار في المشورة والتدبير، كما ارتبط اسمها في بعض الروايات بتاريخ تأسيس مراكش وتطورها عاصمة للدولة المرابطية.
وفي بدايات الدولة الإدريسية، برزت كنزة الأوربية، زوجة إدريس الأول ووالدة إدريس الثاني، في مرحلة انتقال السلطة، عقب وفاة مؤسس الدولة الإدريسية، وتشير الروايات التاريخية إلى دورها في رعاية ابنها خلال طفولته والمحافظة على استمرارية البيت الإدريسي إلى حين توليه الحكم.
وتكشف هذه النماذج، مع اختلاف ظروفها التاريخية وطبيعة السلطات التي مارستها، عن حضور نسائي في الحياة السياسية المغربية يعود إلى قرون، قبل أن تتخذ مشاركة المرأة في الشأن العام شكلا مؤسساتيا حديثا داخل الدولة والمجالس المنتخبة والحكومة.
وقد تعزز هذا المسار في المغرب الحديث من خلال الإصلاحات القانونية والدستورية، ولا سيما دستور 2011 الذي نص في الفصل 19 على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات، كما نص على سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء.
ومن هذا المنظور، يأتي تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتباره محطة جديدة في مسار مشاركة المرأة المغربية في الحياة السياسية ومواقع المسؤولية.
وبذلك، لا تتمثل أهمية هذا التعيين في كونه أول وصول لامرأة مغربية إلى موقع سياسي مؤثر، فقد عرف التاريخ المغربي نماذج نسائية متعددة في مواقع النفوذ، وإنما في كونه يمثل المرة الأولى التي تتولى فيها امرأة مغربية رئاسة الحكومة، في إطار مؤسسات الدولة الحديثة.















