بقلم ياسر العياشي
اصدر الأستاذ عبد السلام البراق الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة لفهرس المخطوطات المحبسة في خزانة الجامع الكبير بمكناس مع الكشف العام للمطبوعات الحجرية مرتبة على حسب العناوين. وهو كتاب قيم لما له من دور توثيقي يعرف بمخطوطات نفيسة كانت تعاني ما تعاني لولا عصامية المؤلف وجهده النبيل في تحدي الصعاب استجابة لانتظارات القراء ومساعدة الباحثين .
وفضلا عن قيمة الكتاب وتبويبه المتقن ،والذي يعرف بما كانت تحويه خزانة الجامع الكبير بمكناس -والتي يعود تأسيسها إلى الدولة المرينية -من مخطوطات وكيف صمدت عبر رحلة ومسار من التاريخ ،وهي تتنقل من مكان إلى مكان ،و ما وقع لهذه الخزانة من التفريط ، وبما زودت به من مخطوطات وتعدد المحبسين وما آل اليه وضعها الى أن قدر للاستاذ عبد السلام البراق القيام بهذه المهمة الصعبة التي خاضها من تلقاء نفسه وغيرته على المخطوط بعد ان وقف على وضعه بعد التحاقه بهذه الخزانة في أواخر سنة 1967وسنه 21 سنة حيث قال في مقدمة كتابه هذا “وما ان وطئت قدماي ارض الخزانة حتى وجدت نفسي أمام رفوف مزدحمة ومكتظة بالكتب والمخطوطات وصناديق مملوءة بالخروم .فبدأت أتصفح الكتب وأتلمس الرفوف واقلب دقائق المخطوطات البالية الممزقة والمحنتة أحيانا ولا اعرف ماذا افعل ولا أين ابدأ”.
والمثير هنا في شخص الأستاذ عبد السلام البراق هو هذا التفاني في العمل ، وعصامية هذا الرجل ،إذ كان بإمكانه أن يؤدي وظيفته على مد القارئ بما هو في المتناول ،كما يفعل الكثير من الموظفين .لكن الأستاذ عبد السلام البراق خاض غمار التحدي ومغامرة التأليف كما أطلع قارئ كتابه بذلك في مقدمته قائلا:”ولعل من الحوافز المهمة التي جعلتني أنجز هذه الفهرسة قصة وقعت لي مع باحث طلب مني إعطاءه مخطوطا بالخزانة في أواخر سنة 1987وكان في أيام الله الأربعاء ،دخلت الخزانة في الساعة السابعة صباحا كي اعمل على رد الكتب المقروءة في اليوم قبله الى رفوفها وتسجيل المعار منها وحذف مرجوعاتها ،وكنت آنذاك الموظف الوحيد في الخزانة، مني المحافظ والمفهرس والمناول والحارس. وبعد انتهائي فتحت باب الخزانة لدخول القراء. فدخل أول طالب وكان من مدينة وجدة فطلب مني مناولته مخطوطة بالخزانة . قرأ عنوانه في فهارس المخطوطات بالخزانة العامة بالرباط وهو موجود بها إلى الآن والمخطوط من ذخائر خزانة الجامع الكبير بمكناس فأخبرته بعد البحث عنه أن المخطوط يوجد في الخزانة العامة بالرباط ، وهو من ضمن 44 عنوانا في 63 جزءا، لكن الطالب لم يقتنع بكلامي والح على أن أعطيه المخطوط كأنني امتنعت عن من مناولته إياه، فاغر ورقت عيناه بالدموع وقال متشنجا “كيف تحرمني من المخطوط وأنا قرأت عنوانه في فهرس الخزانة العامة بالرباط أنه موجود في خزانة الجامع الكبير بمكناس كما أنني طول الليل لم أذق طعم الراحة، ولا سنة نوم من شدة البرد القارس “.وكيف تنقل المخطوطات من خزانة إلى أخرى. ولا تحذف من سجل الأولى وتثبت في سجل الثانية ؟ فتأثرت لحاله وتقمصت شخصيته وأحسست بما يشعر به. فلم أرد عليه بكلمة ، وحتى أطمئن قلبه أطلعته على سجل المخطوطات ليرى بأم عينيه في عمود الملاحظات أنه موجود بالخزانة العامة بالرباط مع المخطوطات الأخرى المرحلة ، وبعد استراحته طلبت منه العودة إلى الخزانة العامة بالرباط ليطلب من القيمين عليها هذا المخطوط الذي هو في ملك خزانة الجامع الكبير بمكناس، وطابعها المدمج على صفحاته يثبت صحة انتسابه لها ، فاقتنع الطالب وانصرف مهموما وبقيت أكثر منه هما متأثرا لحاله ومتحسرا على إحباطه وعلى المشاق التي تحملها ويتحملها الباحثون عموما وخاصة عندما توصد الأبواب في وجوههم ولا تلبى رغباتهم”.

و يضيف الأستاذ البراق قائلا “في هذا اليوم قررت أن أقوم بإعداد فهرس للمخطوطات الموجودة على رفوف خزانة الجامع الكبير بمكناس ، مستعينا بالله معتمدا على لطفه كل الاعتماد ومستهديا منه طرق السداد والصواب والله هو الكريم الوهاب ، وطلبت الله بعد انجازه أن يطبع ويعم أرجاء الوطن وخارجه حتى لا يقع لأي باحث ما وقع للطالب السالف الذكر، وعسى أن يكون لي أجر عند الله ودعاء الخير من إخواني وأبنائي القراء والباحثين على مر العصور وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به النفع العميم إنه رحمن رحيم”
واسترسل الأستاذ البراق قائلا “وفي بداية الأسبوع الموالي للحدث توكلت على الله وشرعت في العمل، وبحكم مسؤوليتي في الخزانة وعدم وجود معاون لي، لم أجد وقتا كافيا للتفرغ له والاشتغال به ، لذلك خصصت له أوقاتا محددة ما بين السادسة والثامنة والنصف صباحا، والسادسة والنصف مساء – وقت انتهاء العمل الإداري – إلى أن أشعر بالتعب، إضافة إلى يومي السبت والأحد وأيام العطل إن لم يكن لي فيها مهام عائلية ، فكنت أخذ المخطوط وأتصفحه ورقة بعد أخرى، وأسجل معلوماته في جذاذة خاصة ابتداء بالعنوان ثم اسم المؤلف ثم أنقل فقرة من أوله وآخره، وعدد أوراقه، وعدد الأسطر في كل صفحة ، وقياس طوله وعرضه ونوع خطه وشكله وحيره ولونه ، ثم أسجل بعض المصادر والمراجع التي ترجمت للمؤلف بعد البحث عنها ، كما أعطيته رقما ترتيبيا تسلسليا مع الرقم المسجل به في سجل الخزانة
بينهما خط عمودي . كما أشرت لعدد الأوراق بحرف ق وعدد الأسطر بحرف س وللطول والعرض بحرفي مس، ثم ذيلت كل مخطوط ببعض المصادر والمراجع التي ترجمت للمؤلف. مفصولة بخط متقطع ، ثم ألحقت به كشفا عاما للمطبوعات الحجرية المحفوظة في الخزانة التي تعادل المخطوطات من حيث القدم والأهمية مرتبة حسب الحروف الأبجدية وختمته بمجموعة من الفهارس التي تسهل على الباحثين الوصول إلى المبتغى المطلوب بأيسر جهد وأسرع وقت . وهي : فهرس العناوين حسب الفنون، وفهرس العناوين العامة، وفهرس المؤلفين ، وفهرس المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها داخل الخزانة ، وفهرس المحبسين ، وفهرس الموضوعات.”
وعلى العموم فقد عرفت بكل مخطوط في مادته وشكله وتاريخ تألیفه و نسخه و تحبیسه وذكر اسم المحبس و المكان المحبس عليه ، وتاريخ تحبيسه والحائزين له من النظار الذين تعاقبوا على نظارة الأوقاف بمكناس، والتنبيه إلى ما يحتاجه الباحث المعرفة ما هو مجهول. وبهذا المسحالشامل والجرد الدقيق في نظري – والكمال الله وحده . حصلت على كثير من العناوين داخل المخطوطات، والتي لم تكن معروفة من قبل .
وبعد انتهائي من الرفوف اتجهت إلى صناديق الخروم الأوراق الساقطة من أصولها وكان العمل فيها شاقا ومضنيا، فبعد مباشرتي العمل فيها كنت أجد الورقة غريبة عن الأخرى إلا القليل منها كان عبارة عن كتاب لا أول له ولا آخر أو ملزمات فانهارت عزيمتي وقررت التخلي عنها كلية وبعد أيام من التأمل والتفكير فيها اهتديت إلى أن أرتبها حسب الفنون في إجازتي الصيفية لأستغل قاعة المطالعة وحدي وذاك ما وقع ، وبهذا المجهود الإضافي الشاق وفقت بفضل الله وعونه إلى الحاق جل الاوراق باصلها وجمع الاجزاء الى بعضها .”
من خلال هذا النص الطويل الذي اقتبستاه من مقدمته للطبعة الثانية لفهرسة ،يظهر لنا السيد عبد السلام البراق ليس مجرد مفهرِسٍ اجتهد فأحسن، بل هو واحد من أولئك الوطنيين الذين يحملون الوطن في ضميرهم قبل أن يحملوه في شعاراتهم. رجل من طينة صلبة ونبيلة، آمن أن المخطوط ذاكرة أمة، وأن التفريط فيه تفريط في جذورنا وهويتنا. لذلك لم ينتظر دعماً ولا لجنة ولا إمكانات، بل قدم أغلى ما يملكه: وقته وراحته وعطله، وسهره الذي لا يراه أحد، ليمنح الباحثين ما ييسر طريقهم، ويصون كنوز الخزانة من العشوائية والنسيان.
الثناء عليه لا يكفيه وصف عابر، لأن ما قام به عمل يشبه “الإنقاذ” أكثر مما يشبه “الوظيفة”: أن يجمع الأوراق المبعثرة، ويرد الأجزاء إلى أصولها، ويُحَوِل الفوضى إلى نظام علمي دقيق… هذا جهاد ثقافي صامت، لا تقل قيمته عن أي خدمة وطنية ظاهرة. لقد انتصر للعلم حين تعب الآخرون، وثبت حين تراجع كثيرون، واشتغل بإخلاص من لا ينتظر مقابلاً إلا رضى الله وخدمة المعرفة.
عبد السلام البراق نموذج نادر للموظف-العالم الذي حوّل الوظيفة إلى رسالة، والرفوف إلى تاريخ حيّ لم يكتفِ بما يتيحه “الممكن الإداري”، بل اختار طريقا أصعب: أن يصنع من الفوضى فهرسا، ومن تشتت الأوراق ذاكرةً مرتبة، ومن شقاء الباحثين بابا مفتوحًا للعلم. ما يلفت في سيرته ليس فقط إنجاز الفهرسة، بل روحها: حس إنساني مرهف تجلى في تأثره بحال طالب جاء من بعيد واصطدم بواقع انتقال المخطوطات وضياع آثارها بين السجلات. من تلك الدموع خرج القرار، ومن تلك المرارة بدأ العمل.
لقد قدم البراق درسا في العصامية والصبر: ساعات صباحية ومسائية، عطل أسبوعية وصيفية، وجهد فردي في خزانة عمومية بلا معاون، ثم دقة علمية صارمة في الوصف والتوثيق والمقابلة.
ومن هنا، فإن أمثال عبد السلام البراق ينبغي ألا يتركوا في الظل: يجب أن يجازَوا ويكرَموا رسميا ومجتمعيا، لأن تكريمهم تكريم للثقافة المغربية نفسها، ورسالة واضحة بأن الوطن يعرف أبناءه الأوفياء ويعترف بتضحياتهم.













