قبل 21 ساعة

الإعلامي جواد الرامي في مواجهة داء الباركنسون: حين يرتجف الصوت، تبقى الكلمة!

بقلم: مراد خنشولي

لسنوات طويلة، سبقت نبرته الإذاعية الرصينة وجهه. عبر الأثير، فرض جواد الرامي أسلوبا خاصا: حضور هادئ لكنه واثق، أسئلة دقيقة، ونزوع واضح إلى العمق والأناقة، على نقيض خفّة سائدة هنا وهناك. ثم ما لبث الصوت أن بَحَّ، وأصبح الحضور أندر. داء الباركنسون، هذا المرض الماكر والمُنهِك، أجبره على خفض الإيقاع، دون أن يُخرِس كلمته يوما.

وبالنسبة لهذا الصحافي المقيم بمدينة فاس، وأحد الوجوه الإذاعية المعروفة، بدا الأمر وكأن السماء قد انطبقت على الأرض. فالباركنسون مرض تنكسي عصبي مزمن ومتدرج، شديد الإعاقة، لا سيما بالنسبة لشخص نابض بالحياة، يتنفسها ملء رئتيه.
وينتج هذا المرض عن تلاشي الخلايا العصبية المسؤولة عن إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي أساسي للتحكم في الحركة، ويتجلى في رجفات أثناء الراحة، وبطء في الحركة (بطء الحركة)، وتيبّس عضلي، واضطرابات في التوازن والمشي. غير أن تأثيره لا يقتصر على ما هو مرئي، بل يمتد إلى الخفيّ: المزاج و النوم و الوظائف الإدراكية والاندفاع الحيوي.
يحكي جواد رامي في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، "كنت أتحول إلى قطعة خشب جامدة"، مؤكدا أن وطأة الألم الجسدي والنفسي لم تنل من بشاشته ولا من إنسانيته.
وقبل أن يُعلنَ التشخيص رسميا، كان يشعر بأن المرض يزحف نحوه. مؤشرات متفرقة كانت تُنذر بالخطر. غير أن السقوط جاء فُجائيا. فالمرض، بخبثه، يتقدم بسرعة، بينما كان لا يزال في أوج عطائه المهني. اضطر، كما يقول بأسف، إلى الانسحاب خطوة إلى الوراء، والابتعاد عن الأضواء. وحلت المعاناة الجسدية، ثم النفسية، محل الحركية الاجتماعية والثقافية والمهنية التي كانت تنسج إيقاع حياته.
وخيم الخوف من المجهول على عالم هذا الأب لأسرة، لاسيما وأنه لا يوجد علاج شافٍ للباركنسون، بل فقط سبل للتكفل تهدف إلى تحسين جودة الحياة، من خلال أدوية مثل "ليفودوبا"، وعلاجات إعادة التأهيل، وأحيانا التحفيز العميق للدماغ.

وبعد فترة طويلة من الترقب واللايقين، انقشع الغموض عن مصير جواد. فبعد فشل بعض العلاجات، خضع لعملية جراحية دقيقة خارج الوطن، تمثلت في تقنية التحفيز العميق للدماغ، التي تقوم على زرع أقطاب كهربائية داخل الدماغ لإرسال نبضات كهربائية تعمل كمُحفِّز، بهدف التخفيف من الأعراض الحركية (الرعشة، التيبس، البطء) عندما لا تعود الأدوية كافية أو تتسبب في مضاعفات.

وقد تكللت العملية بالنجاح، وشكلت نقطة تحول حاسمة. فشيئا فشيئا، استعاد الصحافي قواه وتوازنه، وصوتا أكثر ثباتا. وكان الإعلان عن هذا التحسن بمثابة انتصار شخصي عميق.

وبعد عودته إلى فاس، حرص جواد على تحويل محنته الشخصية إلى فعل جماعي. رفقة زوجته خديجة، التي ظلت إلى جانبه في كل مراحل المرض بثبات ووعي لافتين، قرر تأسيس جمعية "سند"، المكرّسَة لدعم المصابين بداء الباركنسون.

وخلال الجمع العام التأسيسي المنعقد بفاس، جرى انتخاب جواد رامي رئيسا للجمعية، فيما انضمت زوجته إلى مكتبها المسير. وكان التأثر واضحا. فبالنسبة لمن عرفوه في فترات وهنه، كانت رؤيته وهو يلقي كلمة حدثا مؤثرا. وتسعى الجمعية إلى مواكبة المرضى على المستويات الطبية والنفسية والاجتماعية، في ظل مرض يتطلب غالبا علاجات ثقيلة ودعما مستمرا. وفي انتظار استكمال المساطر الإدارية، يجري الإعداد لعمل دؤوب ومُنظم من أجل إيصال صوت المصابين بداء الباركنسون.

وفي شهادة مؤثرة، أبرزت المعالجة النفسية سعيدة بنكيران، التي حضرت الجمع العام، كيف يمكن لهذا المرض أن يولد إحساسا عميقا بالعجز، ومسارا بطيئا ومؤلما لفقدان المعالم.

واستحضرت كيف كان جواد رامي يؤطر، إلى جانبها، عبر أثير إذاعة "إم إف إم سايس"، برنامجا للاستشارات النفسية تحول، على مر السنين، إلى موعد لا محيد عنه لآلاف المستمعين.

وفي سنة 2011، قدم الصحافي والمعالجة النفسية لحظة استثنائية لا تزال راسخة في الذاكرة الإذاعية المغربية: عشرون ساعة من البث المباشر دون انقطاع، تجربة فريدة اختطفها لاحقا ضعف الجسد.

وبموازاة العمل الجمعوي، يستعد جواد رامي لإصدار كتاب. فالكلمة، بالنسبة إليه، تظل رافعة أساسية للحياة، وسبيلا لعدم الاستسلام. فالتعبير عن الألم بالكلمات هو في حد ذاته رفض لأن يكون له القول الفصل. وهو الذي طالما حلم بالكتابة، دون أن يتخيل أن أول أعماله سيُكرس لهذا المرض.

ويقول في هذا الصدد "سيحمل الكتاب عنوان رائحة الخوف، وسيتناول رحلتي مع الباركنسون، مخاوفي، انهياراتي، ثم إعادة بنائي لذاتي”. ومن دون الإفصاح بشكل مباشر، يستعد جواد رامي للقيام بفعل شجاع ونقلي بامتياز: رواية قصة مقاومة عنيدة للمحو، قصة رجل قرر أن ينهض من أجل الآخرين، وألا يسمح للمرض بأن يحوّل كلمته إلى صمت.
المصدر: و.م.ع

لا يوجد حاليا أي تعليقات. كن أول من يشارك!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *