بقلم ياسر العياشي
كان سيدي قدور العلمي من وجوه مكناس، شاعرا للملحون وصاحب نزعة صوفية ترى في الكلام عهدا ومسؤولية قبل أن تراه طربا وشهرة. عاش بين الناس قريبا من وجعهم اليومي، يسمع ما يقال في الأسواق وما يخفى في البيوت، ويعرف أن المدينة لا تقوم فقط بالحجارة والعمارة ،بل بما بين أهلها من ذمم وحرمة جوار.
تقول الرواية المتداولة إن المسجد في الحي احتاج إلى توسعة، وإن التوسعة كانت تمر من موضع بيت سيدي قدور. اجتمع الناس وتكلموا عن الخير وعن الأجر، وقيل له إن في التنازل عن الدار قربة، وأنهم بناءا على عرف المنفعة العامة سيعوضونه أو يهيئون له مخرجا يليق به. لم يكن الرجل ممن يساومون على صورة الخير، ولا ممن يشتهون و يترجون المدح، لكنه كان يزن الاشياء بميزان النية والكلمة. فغلب عنده معنى المنفعة العامة على معنى الملك، ورضي ان يفتح لداره بابا للوقف ولبنة في سبيل عمران المسجد.
غير أن الأيام لا تمشي دائما كما يتم الاتفاق . يقال إن ما وعد به لم يتم كما ينبغي، وإن الدار ذهبت ولم يرجع إليه حق ولا تعويض، وإنه وجد نفسه فجأة بلا مأوى ثابت، وبلا ستر كان يظنه محفوظا في حمى قومه بناء على “الكلمة”. هنا لم تكن المصيبة في الجدران وحدها، بل في الشعور بأن حرمة الجوار انكسرت، وأن كلمة الرجال التي كان يثق بها تراجعت امام المصالح او الغفلة.
في تلك اللحظة لم يجد الشاعر إلا سلاح كلمة الشعر. لم يكن بكاء ضعيف ولا صراخ خصومة، بل عتاب مر ينزل على السامع نزول الحقيقة. جلس سيدي قدور يراجع ما حدث، ثم اخذ ينظم قصيدته التي اشتهرت بين الناس وصارت تعرف بالمكناسية او قصيدة الدار. فجاء فيها ذلك النداء الذي حفظته الذاكرة الشعبية جيلا بعد جيل، يخاطب به اهل مكناس ويضعهم أمام مراياهم:
واش ما عار عليكم يا رجال مكناس
مشات داري فحماكم يا اهل الكرايم
لم يكن يقصد ان يطعن في كرم المدينة بقدر ما كان يذكرها بشرط الكرم: ان يكون حماية ووفاء وحفظا لحق الضعيف قبل ان يكون سخاء في المواسم. وكلمة فحماكم تحمل معنى بينكم وفي جواركم وتحت حمايتكم، كأنه يقول إن المصيبة ليست ان تضيع الدار، بل ان تضيع وهي في حضرة من يفترض ان يحمي ويصون.
ومنذ ذلك الحين لم تعد القصيدة حكاية شاعر فقد بيته فقط، بل صارت حكاية مجتمع يختبر حدوده الأخلاقية. كيف يتحول فعل يرفع شعار الخير إلى سبب في ظلم فرد؟ وكيف يختلط الأمل بالوعود حتى يصير الخذلان امرا عابرا؟ لذلك بقيت قصيدته حية نابضة يتغنى بها المولوعون بفن الملحون ، لانها تلامس شيئا اعمق من خسارة بيت: تلامس معنى العهد بين الناس.
وهكذا يمكن ان يقال إن سيدي قدور العلمي حين نظم قصيدته لم يكن يكتب عن دار من طين فقط، بل كان يكتب عن دار اكبر اسمها الثقة، وعن سقف اسمه الجوار، وعن باب اسمه الكلمة. وعندما تسقط هذه، يصير الشعر محاولة ا لترميم ما لا يرممه البناء،ويحول الكلمة بمعنى العهد الى سلاح بمعنى الكلمة الشعرية والدار الى قصيدة .هذه بتلك كما في القول الماثور.
مقابل هذه القصة، التي تتواتر وتختلف الروايات في نسح حكايتها ومدى صدقها من حقنا ان نفتح المجال للخيال . ونترك باب التساؤل قائما .أليس “البيت من الشعر كما قال القدماء كالبيت من الأبنية، قراره الطبع وسمكه الرواية ودعائمه العلم ولا خير في بيت غير مسكون “؟













