قبل شهرين

الملمح التجريدي في منجز التشكيلية زهيرة بورزة

د. محمد البندوري
تشكل أعمال المبدعة زهيرة بورزة نطاقا تشكيليا تبسط من خلاله طرائق متعددة في التعبير، وصنع مجموعة من العلاقات الجدلية، والأساليب التحاورية، والأدوات التحولية، والاستعمالات اللونية المتوالفة، في سعي منها إلى صنع مجال تجريدي يقوم على أبعاد رؤيوية، يتأسس على بناء تشكيلي، يأتي في سياق تجربة فنية تضطلع بتفاعلات فنية تتلاءم مع جماليات الفن التشكيلي، ما يفضي إلى لغة تشكيلية ذات معاني فنية ودلالات مختلفة. فلغة اللون في أعمال المبدعة توحي بالعديد من المفردات الجمالية، ليس كمكوّن إبداعي فحسب، وإنما كمسار فني ممتد في التجريد، تعالجه المبدعة في خضم المساحات التشكيلية الشاسعة. إذ يبلغ المشهد اللوني أوجه حين توحي الأشكال التجريدية بنغمتها السمفونية الناتجة عن الحركات المتتالية.
وتشكل أعمالها عموما انعكاسا فنيا يمثل مشاهد بروح إبداعية قوية، وصياغة تشكيلية متفردة، على نحو من الحركة، وبينهما تتمظهر مساحة من التجريد وما يطبعها من تشكيل متنوع، يتبدى في الأشكال المتنوعة، وفي الكتل اللونية المنزوية في مساحات تظهر متوافقة مع الشكل العام الذي بنت عليه المبدعة منجزها. ولعل هذا التحوير والتحويل للشكل هو ما حذا بأسلوب هذه التجربة إلى اتخاذ المجال التجريدي كمقوم تشكيلي لبسط مجموعة من الأفكار التي تتستر وراء الشكل البارز. ليواجه القارئ عالما فنيا مُؤدى بأشكال لونية متنوعة، وثمة إحساس بقيمة اللون والشكل وقيمة التركيب. إن قوة هذا التوظيف تحيل على عمق هذه التجربة التي تتأسس على التجريد وإدماج الشكل في المعنى الفني، بسعي تام إلى بناء فن منظم شكليا.


إنه في الواقع النقدي التشكيلي ارتماء في التعبير وفق طقوس ومفردات تجريدية، تستمد كينونتها ووجودها من نبع فني متعدد المعاني، ومتعدد التصورات والرؤى، وهو إرساء لمقومات العمل الفني المبني على أسس جوهرية وعلى خزان من التمظهرات التجريدية المختلفة. وإن لجوء المبدعة لهذا المسلك من التشكيل هو في الأصل لجوء إلى عالم متجدد بمقومات معرفية وتوابث ثقافية، تحتوي مخزونا فنيا ودلاليا له أثره في التشكيل بهذا الأسلوب لتثبت المبدعة داخل لوحاتها أشكالا تجريدية برؤيتها الفنية، وعوالم جديدة تؤتث لمنحى فني تفاعلي يدحض البناءات الفراغية وينسج مجالا تراكميا، متناسق الألوان والأشكال، باختيار منظم، يعتمد غايات فنية مستمرة في الزمن، وهي سمة تلوح أنوارها في إبداعات الفنانة زهيرة بورزة، وفق تفاعليات فنية وجماليات متنوعة، تلعب فيها التقنيات المستعملة دورا مركزيا في تثبيت المادة التجريدية بكل مضامينها وأسرارها. وتشكل التعابير الفنية والمفاهيمية التي تنتجها هياكل العمل التشكيلي مثالا للتأويل الذي قد يؤطر الفن التجريدي الذي هو في جوهره يرفض الحدود، ويتوق إلى الفضاء المفتوح. لذلك تمثل رؤية المبدعة تفسيرا لمشروع تشكيلي تجريدي تستخلص من خلاله المبدعة قيمة أعمالها في نسيج أدائي مركب تركيبا دقيقا، بمهارة كبيرة. وهو ما يُؤكده حضورها في الساحة التشكيلية على نحو من الإبداع.

لا يوجد حاليا أي تعليقات. كن أول من يشارك!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *